
انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا - أيلول/ سبتمبر 2024
مناطق السيطرة على الخريطة التالية معروضة وفقًا للناحية، وقد لا تُظهر الوضع الحالي على أرض الواقع
تشمل خارطة انتهاكات حقوق الإنسان، بيانات يحرص المركز السوري للعدالة والمساءلة على جمعها عن طريق منسّقي فرقه التوثيقية المنتشرة في الميدان. ويحرص المنسّقون على استخلاص البيانات من مجموع التقارير الإعلامية والمقابلات والحوارات التي يُجرونها، بما يجعلها مُتاحة لاطّلاع شريحة أوسع من الجمهور في مختلف أنحاء العالم. وتمثّل هذه الخارطة توزيعاً لتفاصيل الوقائع المرتبطة بحالة حقوق الإنسان الراهنة في المناطق السورية الخاضعة سياسياً وعسكرياً لسيطرة السلطات الرئيسية الأربع، وهي: الحكومة السورية، وهيئة تحرير الشام، وقوات سوريا الديمقراطية أو سلطات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا (قسد/ سلطات الإدارة الذاتية)، والمناطق التي تحتلّها تركيا.
كما يداوم المركز السوري للعدالة والمساءلة على تحيين محتويات الخارطة وتفاصيلها شهرياً، عن طريق إدخال أحدث بيانات وقائع انتهاكات حقوق الإنسان، والأحداث السياسية الفارقة، وتحليل تطورات النزاع وتغيّر حيثياته.
وتشمل خارطة شهر أيلول/ سبتمبر، تفاصيل حول أحدث موجات النازحين السوريين الذين عادوا إلى الأراضي السورية فراراً من القصف الإسرائيلي على لبنان، واستمرار اعتقال الأجهزة الحكومية للمدنيين في دمشق وريفها، وتجنيد الأطفال وانتشار الفساد في المناطق الواقعة تحت سيطرة قسد، وحالات الاعتقال التعسفي والابتزاز على أيدي فصائل الجيش الوطني في شمال سوريا، والخسائر في صفوف المدنيين جراء القصف المدفعي في محافظة إدلب الذي نفّذه حزب الله، أحد حلفاء الحكومة السورية.
المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة:
تسيطر الحكومة السورية حاليا على غالبية أراضي سوريا. وفي الجنوب الذي يضم محافظات ، و ، و ، تسلمت قوات الجيش والمجموعات الأمنية التابعة للحكومة مسؤولية المهام الأمنية منذ إعادة بسط سيطرتها على المنطقة في 2018.
السوريون الفارّون من العنف في لبنان
تصدّرت أنباء عودة آلاف اللاجئين إلى سوريا وسائل الإعلام، منذ أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، عقب سلسلة من الضربات الجوية التي نفّذتها إسرائيل في لبنان.
وما من مكان آمن في سوريا يتيح للسوريين العودة بأمان، ولا سيما المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة. ولا ينبغي تفسير تدفق موجات اللاجئين السوريين الفارّين من لبنان على أنه مؤشر على توفّر الأمان داخل الأراضي السورية، أو على أنه يمثّل عودة طوعية للاجئين السوريين من لبنان. بل حريّ أن تُفسَّر موجة النزوح الحالية على أنها مؤشّر على إمكانية اعتبار سوريا خياراً أكثر أمناً حالياً، بالمقارنة مع لبنان، حيث يستمر القصف الإسرائيلي مستهدِفاً مناطق تتركز فيها أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين، وأوقع عشرات القتلى في صفوفهم. كما وثّق اللاجئون السوريون تفاصيل عدم توفّر ملاجئ لهم أو أماكن إيواء آمنة، فضلاً عن عدم السماح للنازحين بالوصول إلى خدمات الإيواء داخل لبنان، وهو ما أسهم على الأرجح في دفع أولئك السوريين إلى اتخاذ قرار العودة إلى الأراضي السورية.
وحتى تاريخ 30 أيلول/ سبتمبر، قدّرت المفوّضية السامية لشؤون اللاجئين، دخول نحو 100 ألف شخص الأراضي السورية، منذ أن عمدت إسرائيل إلى تصعيد ضرباتها الجوية في لبنان، وشكّل السوريون غالبية أولئك الأشخاص. ويلاحظ أعضاء فريق التوثيق لدى المركز السوري للعدالة والمساءلة، أنه ونظراً لضخامة الأعداد التي تدفقت على المعابر الحدودية في الأسابيع القليلة الماضية، تراجع مستوى التدقيق الأمني الذي تفرضه أجهزة الأمن التي تسيطر على تلك المعابر، ولم تعُد تدقّق كثيراً في الأوراق الثبوتية للنازحين العائدين. ومن المعلوم أن تلك المعابر والنقاط الحدودية هي غالباً مقصلة لاحتجاز المطلوبين لدى أجهزة الحكومة السورية (بذريعة عدم أداء الخدمة العسكرية، أو بزعم الانتماء للمعارضة السياسية، أو الارتباط بها سابقاً)، ولا يعني دخول هذا العدد من الأشخاص دون التدقيق في هوياتهم وأوراقهم الثبوتية، أن سلطات الحكومة السورية لن تلاحقهم مستقبلاً.
كما وثّق المركز حالات شهدت عودة لاجئين إلى سوريا عقب ترحيلهم من تركيا ولبنان، منذ أن بدأت عملية العودة القسرية مطلع العام 2024. ويظل السوريون العائدون إلى سوريا عرضة لارتكاب طائفة متنوّعة من انتهاكات حقوق الإنسان بحقهم، ولا سيما الاعتقال التعسفي والتعذيب، إلى جانب ضعف إمكانية حصولهم على الخدمات الأساسية، وتردّي الأوضاع الاقتصادية.
احتجاز العائدين إلى سوريا
في أيلول/ سبتمبر، اتصل فرع الأمن العسكري السوري في حلب بأسرة عبد الغني منير، وهو سوري قضى نحبه في أحد معتقلات الحكومة السورية عقب ترحيله من تركيا مؤخراً، وأوعز إليهم بالقدوم لاستلام جثته. ووفقاً لما أفادت به وسائل إعلام محلية ، حاول عبد الغني دخول الأراضي الواقعة تحت سيطرة قوات الحكومة السورية للعودة إلى حلب، عقب إقدام تركيا على ترحيله إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات التركية في شمال سوريا. وبرغم ما رتّبت له أسرة عبد الغني من إجراءات مع الحكومة السورية تكفل عودته الآمنة قبيل دخول مناطقها (وشمل ذلك التحرّي والبحث للتأكد من أن عبد الغني لم يكن مطلوباً لدى قوات الأمن الحكومية، إلى جانب دفع مبلغ كبير بدل أداء الخدمة العسكرية)، فقد اختفى الرجل عقب مروره بالحاجز التابع للأمن العسكري في حلب. ولم تعلم أسرته بمكان وجوده إلى أن أعلمتهم الحكومة بوفاة ابنهم بعد مضي بضعة أسابيع على اختفائه. ومن نافلة القول أنه ثمة خطر كبير يتربّص بكل سوري يتم ترحيله من تركيا إلى سوريا، وحتى لو رُحّل إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في الشمال. والمركز السوري للعدالة والمساءلة ماضٍ في جهوده الرامية إلى توثيق حالات العودة القسرية، واعتقال اللاجئين السوريين العائدين من لبنان وتركيا.
استمرار ممارسة احتجاز المدنيين
لا تزال ممارسة اعتقال مدنيين على أيدي عناصر من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية السورية شائعة في دمشق وما حولها من المناطق. وفي مطلع أيلول/ سبتمبر، احتجزت الحكومة نحو 200 مدني لدى مرورهم بحاجز القطيفة على مقربة من دمشق، واقتادتهم إلى فرع الخطيب. وشكّل النساء والمسنّون غالبية أفراد تلك المجموعة من المعتقلين الذين احتُجزوا في طريق عودتهم من زيارة أقاربهم في الشمال. وشمل التحقيق معهم، وفقاً لما ورد، تفتيش أجهزة هواتفهم النقالة (بما في ذلك استرجاع الملفات المحذوفة) قبل أن يُصار إلى إخلاء سبيلهم بعد أيام. كما أوردت وسائل إعلام محلية أن عناصر من الأمن السياسي احتجزوا شقيقيْن لدى مرورهما بأحد الحواجز الأمنية المؤقتة في بمحافظة ريف دمشق، وصادروا جهازي الهاتف بحوزتهما للحيلولة دون اتصالهما بذويهما. كما أشارت وسائل الإعلام إلى أن الشقيقين مدنيّان من وادي بردى. واعتقلت قوات الأمن رجلاً آخر يُدعى أحمد علي الصليبي، عند حاجز المشتل على مقربة من ، مطلع أيلول/ سبتمبر أيضاً.
العفو العام
فيما يبدو ظاهرياً أنها خطوة إيجابية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، أصدر بشار الأسد عفواً عاما ً يشمل مجموعة من الجرائم المرتكبة قبل 22 أيلول/ سبتمبر 2024، بما في ذلك العفو الشامل عن جرائم الفرار من الخدمة العسكرية وغيرها من الجنح والمخالفات. وهذه هي المرة الرابعة والعشرون التي يَصدُر فيها عفو من هذا القبيل منذ عام 2011، ولكن يَستثني المرسوم الحالي المتّهمين بارتكاب جرائم معينة من قبيل جرائم " الإرهاب " أو "الخيانة العظمى"، وهي غالباً ما تكون تهماً ملفّقة تستهدف المعتقلين السياسيين. ومن غير المرجح أن يتم الإفراج بموجب مرسوم العفو عن عدد كبير من الأفراد، وخصوصاً السجناء السياسيين. وفي ضوء تكرار إصدار الأسد لمراسيم عفو مشابهة فيما مضى من دون أن تعود بفائدة ملموسة على المعتقلين. تشير وسائل الإعلام إلى أنه، أي الأسد، قد بادر إلى إصدار مرسوم العفو الحالي كمحاولة لتحسين صورة الحكومة السورية على الساحة الدولية، بدلاً من أن يكون ذلك بمثابة خطوة فعلية باتجاه تحقيق الاستقرار وإقامة العدل.
مناطق الجنوب السوري
في مناطق الجنوب الذي يضمّ محافظات درعا، والسويداء، والقنيطرة، تسلّمت قوات الجيش والمجموعات الأمنية التابعة للحكومة مسؤولية المهامّ الأمنية منذ إعادة بسط سيطرتها على المنطقة في عام 2018.
وفي آب/ أغسطس 2024، طالب المشاركون في أحدث موجات الاحتجاج في السويداء مؤخراً بالإصلاح وتغيير النظام، وذلك بمناسبة مرور سنة كاملة على انطلاق أولى الاحتجاجات في المحافظة. واستمرّت الاحتجاجات بشكل متّسق إلى جانب تنظيم تجمّعات ضخمة أيام الجمعة كما جرت عليه العادة في الأشهر الماضية. وبرغم مشاركة أشخاص كثر في احتجاجات السويداء، فلا تخلو المحافظة من أشخاص وأفراد عائلات موالين للنظام.
وأكدت وسائل إعلام محلية، في أواسط أيلول/ سبتمبر، نبأ مقتل وحيد الشبلي ليكون ثاني سوري يُقتل أثناء القتال في صفوف القوات الروسية في أوكرانيا. ووفقاً لما أفاد به أعضاء فريق التوثيق في المركز السوري للعدالة والمساءلة، تكرر مؤخراً عن طريق الوسطاء أو السماسرة الذين يعملون لصالح روسيا، استهداف أفراد العائلات الفقيرة الموالية للنظام في السويداء، حيث يَعرِضون عليهم الحصول على مبالغ كبيرة مقدّماً، مقابل كل شاب يتم تجنيده للقتال في صفوف القوات الروسية. وأُرسل وحيد الشبلي للقتال في ليبيا عام 2021 بادئ الأمر، قبل أن يتم إرساله إلى روسيا لاحقاً. وكانت وسائل الإعلام قد أكدت مقتل أول سوري في صفوف القوات الروسية في أوكرانيا، في آب/ أغسطس من عام 2024.
محافظة درعا
ظلّت الاغتيالات وغيرها من الاعتداءات العنيفة المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين، تشكّل تهديداً كبيراً يحول دون استتباب الأمن في محافظة درعا، وسجّل فريق التوثيق لدى المركز، حصول زيادة ملحوظة في تلك الهجمات مع نهاية عام 2023، ولتستمرّ على النسق نفسه في 2024. كما تشهد المحافظة تكرار حصول اشتباكات بين الجماعات المسلّحة المتناحرة، الأمر الذي يتسبّب بين الفينة والأخرى بوقوع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين. وفي أيلول/ سبتمبر، قُتل مواطن مدني من قرية خراب الشحم بالرصاص، أثناء تبادل إطلاق النار في مشاجرة وقعت بين مجموعة من الأشخاص في المنطقة. وتستمر عملية النزوح من محافظة درعا بلا توقف، مدفوعة بعوامل زعزعة الاستقرار وخطر سقوط ضحايا في صفوف المدنيين كأضرار جانبية أثناء الاشتباكات بين الفصائل، أو احتمال استهدافهم بعمليات الاغتيال.
كما لاحظ فريق التوثيق في المركز حصول زيادة في أعداد أهالي درعا الذين يغادرون سوريا، في محاولة للوصول إلى أوروبا.
كما تستمر المصاعب التي تواجه المدنيين في درعا جراء ممارسات أجهزة الأمن السورية والقوات الحكومية وغيرها من الجهات غير الرسمية التابعة لها. وشهدت الأشهر القليلة الماضية زيادة في رفض المسلحين من السكان المحليين لطبيعة المعاملة التي يتلقّونها، وجاء ردّهم عنيفاً على تلك المعاملة، واتخذ شكل مهاجمة الحواجز العسكرية، أو الأمنية، أو مواقع قوات الأمن، أو ما يُعرف "باللجان الشعبية". وفي أيلول/ سبتمبر، زعمت إحدى وسائل الإعلام أن المخابرات الجوية قد عمدت إلى تغيير مواقع الحواجز التابعة لها شرقي درعا، رداً على سلسلة من الهجمات الانتقامية التي شنّها مدنيون في الأشهر الماضية. وتشمل قائمة الانتهاكات التي ترتكبها الجماعات المسلحة التابعة للحكومة في درعا اعتقال المدنيين تعسفياً لدى مرورهم بالحواجز الأمنية، وفرض دفع رشوات، أو إتاوات على المارّة، والضلوع في عمليات الاغتيال، وغير ذلك من الأفعال المخالفة للقانون، وأعمال العنف المرتكبة بحق السكان المدنيين.
نشاط داعش
لا يزال تنظيم داعش يشكّل خطراً على قوات الحكومة، والميليشيات التابعة لها، والمدنيين في المناطق الصحراوية التابعة لمحافظتي حمص وحماة، إلى جانب أجزاء أخرى من محافظتي دير الزور والرقة. ويلجأ عناصر داعش بشكل متكرر إلى نصب كمائن للقوات الحكومية والميليشيات الموالية للنظام ، والاعتداء على المدنيين ممن يزاولون نشاط رعي الماشية أو من يجمعون نبات الكمأة. وفي أيلول/ سبتمبر، زعم الإعلام الحكومي أن ألغاما ً زرعها داعش تسبّبت بجرح شخصين على مقربة من السلمية بمحافظة حماة. ويستدعي الأمر دوام الانتباه لتزايد نشاط تنظيم داعش ورصده، كونه يشكّل خطراً على الأرواح والاستقرار في المحافظتين، وفي الأراضي الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
القصف الإسرائيلي
شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة تطوراً ملحوظاً في شهر أيلول/ سبتمبر، عندما قامت إسرائيل بقصف مركز البحوث العلمية الحكومي على مشارف منطقة مصياف الجبلية التابعة لمحافظة حماة، ما أسفر عن سقوط أكثر من 20 قتيلاً. ووفقاً لما ورد في تقارير إخبارية، استهدفت إسرائيل بتاريخ 8 أيلول/ سبتمبر منشأة لتطوير الأسلحة والمناطق القريبة بضربات جوية رافقتها عملية مداهمة برّية على الأرجح. كما ورد في تقارير وسائل الإعلام أن الهجوم يهدف إلى تدمير المنشأة التي زُعم أن خبراء سلاح إيرانيين يعملون داخلها، وعُرفت بصِلاتها السابقة ببرنامج سوريا لتطوير الأسلحة الكيميائية.
وتحدّث أفراد فريق توثيق المركز السوري للعدالة والمساءلة مع بعض أهالي مصياف، الذين أفادوا بوقوع إصابات كثيرة في صفوف المدنيين، بينهم ثلاثة قتلى كانوا يستقلّون سيارة مدنية على مشارف مصياف. ومن المعلوم أن إصرار الحكومة على وضع مخازن ومنشآت عسكرية للسلاح والعتاد وسط مناطق مأهولة بالسكان أو على مقربة منها، وخصوصاً إذا كانت منشآت مرتبطة بإيران، يشكّل خطراً كبيراً على أرواح المدنيين في عموم أنحاء سوريا، الذين قد يصبحون مجرّد أضرار جانبية لهذا النوع من الهجمات وعمليات القصف التي تستهدف تلك المنشآت.
المناطق الواقعة تحت سيطرة سلطات الإدارة الذاتية:
تحكم سلطات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أجزاء من محافظات ، و ، و ، و . وعلى الرغم من استمرار الدعم السياسي والعسكري من الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب، ترتكب قوات سوريا الديمقراطية والكيانات العسكرية أو الأمنية التابعة لها في تلك المناطق انتهاكات خطيرة بحق سكانها، تشمل الاعتقال التعسفي، وسوء معاملة المحتجزين.
الانتهاكات المرتكبة بحق المعتقلين
برغم ما تحظى به قسد من دعم سياسي وعسكري مستمر من الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب، لم تتوانَ الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لها عن ارتكاب الانتهاكات بحق سكان المناطق الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما على صعيد ممارسات الاعتقال التعسفي وإساءة معاملة المحتجزين لديها.
وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، حرص أعضاء فريق التوثيق في المركز على إجراء مقابلات مع عشرات المعتقلين السابقين وذويهم، الذين وَصفوا بالتفصيل الانتهاكات المرتكبة بحقهم بما فيها التعذيب.
وتعرّف فريق التوثيق في المركز الشهر الحالي، إلى نمط جديد من الانتهاكات تعمد قسد من خلاله إلى الكذب على ذوي المعتقلين بخصوص أماكن وجود أقاربهم أو مواقع احتجازهم. وفي أيلول/ سبتمبر، أجرى أعضاء الفريق مقابلة مع أحد أقارب رجل اختفت آثاره قبل سنوات في محافظة دير الزور، وجاء في المقابلة أن أقارب الرجل راجعوا مؤسّسات تابعة للإدارة الذاتية ومقارّ قسد في عدد من المدن والمحافظات للاستفسار عن مصيره، وقيل لهم حينها إنه ليس محتجزاً في منشآت الحجز التابعة لقسد. وعقب مرور سنوات من عملية البحث، قال أحد المُفرَج عنهم مؤخراً للشخص الذي أجرى المركز مقابلة معه، إن قريبهم المفقود محتجز في أحد السجون التي تديرها قسد في القامشلي.
توالي الإفراج عن المزيد من المعتقلين عقب صدور العفو العام في تموز/ يوليو
في تموز/ يوليو 2024، أصدرت سلطات الإدارة الذاتية قانوناً جديداً تضمّن عفوا ً عاماً استفاد منه أكثر من 1500 سجين في محافظتي الحسكة والرقة، ولا تزال عمليات إخلاء سبيل من تنطبق عليهم شروط العفو مستمرة حتى تاريخه. وفي سابقة هي الأولى من نوعها، نص قانون العفو على شمول الكثير من المتهمين بارتكاب جرائم متصلة بالإرهاب، بما فيها جرائم الانتماء لتنظيم داعش، على الرغم من أن القانون ينصّ صراحة على عدم شمول قادة التنظيم بالعفو، أو المسؤولين عن ارتكاب جرائم أفضت إلى مقتل الضحية. واستمرت في آب/ أغسطس، وأيلول/ سبتمبر عمليات الإفراج عن السجناء على شكل دفعات، ووصل إجمالي عدد المفرج عنهم بموجب قانون العفو، إلى أكثر من ألف (1000) سجين. وعندما أعلنت سلطات الإدارة الذاتية صدور قانون العفو في تموز/ يوليو بادئ الأمر، انتقد البعض شمول العفو بعض المتهمين بالانتماء لتنظيم داعش، بينما ظل السجناء السياسيون قيد الاحتجاز، ولا سيّما أفراد المعارضة السياسية الكرد، وأعضاء من المجلس الوطني الكردي. وفي أيلول/ سبتمبر، أفرجت سلطات الإدارة الذاتية عن 4 من أعضاء المجلس، مضى على احتجازهم بضعة أشهر، بينما لا يزال 6 آخرون من أعضاء المجلس محتجزين، وفقاً للتقارير الواردة بهذا الخصوص.
نشاط داعش
تشمل الأهداف الرئيسية التي تسعى قسد إلى تحقيقها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مجابهة تنظيم داعش الذي ما انفكّ يبرهن على حضوره من خلال شن عدة هجمات في أيلول/ سبتمبر. ولعل أبرز ما قام به التنظيم في هذا الشهر، هو الإعلان عبر منصته الإعلامية الرسمية، يوم 7 أيلول/ سبتمبر، عن إعدام اثنين من محافظة الرقة، متّهِماً إياهما بالردّة والتجسس لصالح قسد أو حزب العمال الكردستاني، كما يرد في الصورة المرفقة أدناه.
ووفقاً لما ورد في تقارير وسائل إعلام محلية، نشر تنظيم داعش مقاطع فيديو لعملية الإعدام والجثتين، إلى جانب بيان مكتوب بهذا الخصوص. وكان التنظيم قد شن هجمات ونشر مقاطع مصورة وصوراً فوتوغرافية لقتلى تلك الاعتداءات في أكثر من مناسبة في الماضي، ولكن شهد العام الماضي تراجعاً ملحوظاً في هذا النوع من أنشطة التنظيم على وجه التحديد.
ومع أن قوات قسد تشارك مع قوات التحالف بقيادة أمريكية في عمليات أمنية حسّاسة لقتال تنظيم داعش على أراضيها، أثارت عمليات التنظيم مؤخراً الكثير من القلق لدى الأهالي ووسائل الإعلام المحلية والدولية. كما فر ّ 5 من قادة التنظيم من سجنهم بمحافظة الرقة أواخر آب/ أغسطس الماضي، في عملية أورد أعضاء فريق التوثيق في المركز ووسائل الإعلام أنها تمّت بتواطؤ من السجّانين التابعين لقسد، عقب تلقّيهم رشوات لتسهيل عملية فرار السجناء الخمسة. وقيل إن قسد اعتقلت اثنين من السجناء الفارّين في أيلول/ سبتمبر، بينما لا يزال الثلاثة الآخرون طلقاء. كما أشارت وسائل الإعلام عقب فرار السجناء إلى ظهور شعارات موالية لداعش على جدران مبانٍ في مدينة الرقة مطلع أيلول/ سبتمبر، وهو أمر لم يحدث منذ مدة ليست بالقصيرة، ما أثار خشية الأهالي من احتمال معاودة ظهور تنظيم داعش في المدينة.
تجنيد الأطفال
في أيلول/ سبتمبر، داومت منظمة الشبيبة الثورية التابعة لقسد على ممارسة تجنيد الأطفال في محافظتي حلب والحسكة. وعقب نجاح عناصر من المنظمة بإقناع الفتى أحمد محمد الإبراهيم البالغ من العمر 14 عاماً، بالانضمام إليها في مدينة القامشلي مطلع أيلول/ سبتمبر، ناشد والداه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية كي تمارس ضغوطاً على قسد لتعيد ابنهما، وتُوقِف تجنيد الأطفال من خلال منظمة الشبيبة الثورية.
وعلى شاكلة ما توصل إليه المركز السوري للعدالة والمساءلة من استنتاجات خلال المقابلات التي أجراها بهذا الخصوص، لم تحصل أسرة أحمد على أي مساعدة أو معلومات بخصوص مكان وجود ابنهم، بعد أن قصدوا الأسايش (جهاز الأمن) والمحاكم التابعة لقسد على إثر اختطاف الفتى. وفي أواخر أيلول/ سبتمبر، أوردت وسائل إعلام محلية أيضاً خبر قيام منظمة الشبيبة الثورية باختطاف فتاة في الرابعة عشرة من عمرها من حي الشيخ مقصود بمدينة حلب.
وتوخّياً للحصول على المزيد من المعلومات حول موضوع تجنيد الأطفال على أيدي عناصر منظمة الشبيبة الثورية، أورد المركز السوري للعدالة والمساءلة تفاصيل القضية بشكل وافٍ في تقرير رسمي منشور في هذا السياق.
الشواغل الاقتصادية في المناطق الواقعة تحت سيطرة سلطات الإدارة الذاتية
يعاني المدنيون من أهالي المناطق الخاضعة لسيطرة سلطات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، جراء انتشار الفساد في مؤسساتها إلى جانب تردّي الخدمات العامة، وتوالي ارتفاع أسعار السلع الأساسية. وفي أيلول/ سبتمبر، زُعم أن أحد مسؤولي سلطات الإدارة الذاتية من موظفي وزارة الزراعة بالقامشلي قد فرّ إلى خارج سوريا وبحوزته ما يربو على 3.5 مليون دولار أمريكي، ولا يُعرف مكان وجوده حتى تاريخه.
كما يجد المدنيون من أهالي محافظة الحسكة أنفسهم مضطرّين إلى الاستعاضة عن السلع الأساسية ببدائل خطيرة زهيدة التكلفة، من قبيل زيت الطهو على وجه التحديد، نظراً للارتفاع الفاحش في أسعار تلك المنتجات داخل مناطق الإدارة الذاتية. وفي أيلول/ سبتمبر، قُتلت امرأة وأُصيب 10 أشخاص جراء انفجار "بابور الكاز" (موقد تقليدي يعمل بمادة الكيروسين)، المعروف بخطورته، ولا سيما إذا تم استخدام مشتقات نفطية غير نقية تتوفر محليا ً لتشغيله. ووقعت إحدى الحادثتين داخل مدرسة بحي الصالحية في مدينة الحسكة، تؤوي -كما قيل- نازحين فرّوا من القصف التركي على مناطق شمال محافظة الحسكة. ووفقاً لما أفاد به أعضاء فريق التوثيق في المركز، فإنه لا مفرّ أمام المدنيين من استخدام هذه المشتقات النفطية الرديئة النوعية على الرغم من خطورتها، جراء الارتفاع الفاحش في سعر أسطوانة الغاز في تلك المناطق. كما يؤدي استهداف تركيا منشآت البنية التحتية في مناطق الإدارة الذاتية إلى ارتفاع أسعار مشتقات الوقود، لأن الهجمات التركية التي تستهدف معامل الغاز تؤدي إلى تقليص حجم إنتاج الغاز النقي.
المناطق الواقعة تحت سيطرة تركيا:
عقب توغّل تركيا في الأراضي السورية على إثر عمليتي درع الفرات، وغصن الزيتون (2016-2018)، بسطت تركيا ووكلاؤها بقيادة الجيش الوطني السوري سيطرتها على مناطق شمالي حلب، ولا تزال ترتكب انتهاكات متكررة بحق سكانها من المدنيين.
ابتزاز المدنيين مالياً
يشكّل الابتزاز أحد أشكال الانتهاكات الرئيسية التي يرتكبها عناصر من فصائل الجيش الوطني، حيث يُلزمون المدنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة تركيا على دفع رسوم (إتاوات) مقابل عدم ارتكاب انتهاكات أخرى بحقهم، أو إلقاء القبض عليهم. وفي أيلول/ سبتمبر، ومع اقتراب موسم قطف ثمار الزيتون، حاول عناصر من فصيل سليمان شاه (المعروف باسم فصيل العمشات) أن يجبر سكان القرى القريبة من على دفع ما يُعادل 8 دولارات أمريكية عن كل شجرة زيتون يملكونها. كما فرض أفراد الفصيل مبالغ على السكان الذين لم يعودوا مُقيمين في المنطقة، ويتولّى أقارب لهم إدارة أراضيهم في غيابهم، وهم يمثّلون شريحة واسعة من سكان ناحية معبطلي الأصليين.
وفي قرية ياخور، نظّمت مجموعة من النسوة احتجاجاً سلمياً على إثر قيام عناصر فصيل العمشات باعتقال عدد من المزارعين الذين رفضوا دفع الإتاوة. فما كان من عناصر الفصيل إلا أن حاصروا القرية، وفضّوا الاحتجاج بالقوة مستخدمين العصيّ والهراوات، مطلقين رصاص بنادقهم في الهواء. وتحدثت أنباء عن إصابة 20 شخصاً في ذلك الاعتداء بينهم نساء ومسنّون. كما أوردت وسائل إعلام محلية أنباء عن مداهمة عناصر من العمشات لمنزل مختار القرية، وإتلاف الكثير من مقتنياته. ويتوقع أعضاء فريق التوثيق في المركز أن تستمرّ الفصائل في فرض رسوم وإتاوات مشابهة، تزامناً مع موسم قطف ثمار الزيتون كل عام.
كما أوردت وسائل إعلام محلية تقارير عن إقدام عدد من الفصائل التابعة للجيش الوطني، الشهر الجاري، على سرقة محصول الزيتون من أرض يملكها أحد سكان ، وقطع أشجاره (لبيعها حطباً). وتفيد تلك التقارير بأن السكان يخشون تحرير شكاوى بهذا الخصوص خوفاً من قيادات الفصائل، أو لأنهم يدركون عدم جدوى الشكاوى، وأنها لن تُفضي إلى نتيجة إيجابية. كما ارتكب عناصر من فصيل صقور حيان، انتهاكات بحق ممتلكات المواطنين، عندما قاموا ببيع ثمار الزيتون الموجودة في أرض قريبة من منطقة ، تعود ملكيتها لخمسة نازحين من سكان عفرين. ومعلوم أنه ثمة نظام تقليدي راسخ يتولّى بموجبه أقارب الغائبين إدامة شؤون ممتلكات الغير وبساتينهم، ولكن ذلك لم يمنع عناصر فصيل صقور حيان من بيع ثمار الزيتون وهي على الشجر، والاستئثار بكامل الأرباح (التي بلغت نحو 4 آلاف دولار) لأنفسهم.
الاعتقالات التعسفية
في أيلول/ سبتمبر، استمرّ عناصر الشرطة العسكرية وغيرهم من فصائل الجيش الوطني السوري، في ممارسات اعتقال المدنيين في عفرين والمناطق المحيطة، فيما يشكّل استمراراً لنمط ظهر عقب بسط تركيا وفصائل الجيش الوطني سيطرتها على المنطقة في عام 2018. وكان المركز شاهداً على حصول زيادة في الاعتقالات خلال الأشهر القليلة الماضية. وفي أيلول/ سبتمبر أيضاً، اعتقل عناصر الشرطة العسكرية عدداً من المدنيين في عفرين ، وجنديرس ، ومعبطلي ، قيل إنه أُفرج عن بعضهم عقب دفع أقاربهم مبالغ الفدية المطلوبة. ويلجأ عناصر الشرطة العسكرية في الكثير من الأحيان إلى اتهام المحتجزين "بالتعاون مع سلطات الإدارة الذاتية سابقاً"، في إشارة إلى أعمال قام بها هؤلاء إبان سيطرة الإدارة الذاتية على المنطقة قبيل عام 2018. ولا تشير مثل هذه التهم بالضرورة إلى أن الشخص منخرط في حيثيات السياسة الكردية أو أنشطة الفصائل العسكرية. واعتقلت الشرطة العسكرية أشخاصاً سبق لهم أن كانوا موظفين لدى سلطات الإدارة الذاتية في مهنٍ مدنية شتى بصفتهم معلمين، أو ممرضين، أو موظفين في البلديات. ويعكف المركز السوري للعدالة والمساءلة حالياً على دراسة هذا النمط الجديد من الانتهاكات، بقدر أكبر من التفصيل.
الاحتجاجات في معبر أبو الزندين الحدودي
عقب محاولة تركيا الدفع باتجاه فتح معبر أبو الزندين الحدودي (الذي يربط بين مدينة الباب الواقعة تحت سيطرة تركيا، والمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية في المناطق الشرقية من محافظة حلب، ومن شأنه أن يسهم في تيسير التبادل التجاري بين المنطقتين)، احتجّ مدنيون في المناطق الواقعة تحت سيطرة تركيا، وعناصر من فصائل الجيش الوطني، على فتح المعبر في آب/ أغسطس الماضي.
وحرص السكان على تنظيم اعتصامات للحيلولة دون فتح المعبر في أيلول/ سبتمبر، بعد أن ظلّ مُغلقاً طيلة الشهر. وتُعارض فصائل الجيش الوطني فتح ذلك المعبر جراء خشيتها -على الأرجح- من خسارة الإيرادات والمتحصّلات التي تحققها من عمليات التهريب بين المنطقتين، في حال أصبح المعبر مفتوحاً بشكل رسمي. ويتوقع أعضاء فريق التوثيق في المركز أن تستمر الحكومتان التركية والسورية في الدفع باتجاه إعادة فتح المعبر الحدودي بينهما في المستقبل.
الإصابات في صفوف المدنيين جراء انفجار العبوات الناسفة، والمسيّرات الانقضاضية من طراز FPV (التي تبث صوراً مباشرة)
غالباً ما تنجم الإصابات في صفوف المدنيين على هامش الصراع الدائر حالياً في المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا، عن انفجار العبوات الناسفة (يدوية الصنع)، حيث تكرّرت مثل هذه الوقائع أكثر من مرة طيلة عام 2024 في مدن عفرين، وإعزاز، والباب، أو جراء الإصابة برصاص طائش، أو نتيجة للقصف المدفعي. وفي أيلول/ سبتمبر، استهدفت مسيّرة انقضاضية (انتحارية) من طراز FPV (التي تبث صوراً مباشرة إلى مشغّلها)، مركبة مدنية في إحدى القريبة من ، وتسبّبت بإصابة مدنيين. كما استهدفت مسيّرات أخرى القرية في اليوم نفسه. ووفقاً لما أفاد به أعضاء فريق التوثيق في المركز، فقد قدِمت المسيّرة من اتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الحكومة وقسد. وبرغم أن الهجمات بالمسيّرات تتكرر عموماً في المناطق الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام بمحافظة إدلب، ومحافظة حلب إلى الغرب، ومحافظتي حماة واللاذقية شمالاً، وهي مناطق اعتادت قوات الحكومة أن تخترقها، إلا أنه من النادر أن تحصل هجمات من هذا النوع في المناطق الواقعة تحت سيطرة تركيا.
احتجاز ناشطين، وصحفيين، ومدافعين عن حقوق الإنسان
ظلّ الناشطون والصحفيون، وغيرهم من المدافعين عن حقوق الإنسان، عُرضة للاغتيال والاحتجاز، وغير ذلك من الانتهاكات والمخالفات المرتكبة في المناطق الواقعة تحت السيطرة التركية. وفي مطلع أيلول/ سبتمبر، وأعقاب ضغوط إعلامية واحتجاجات شعبية، أفرجت الشرطة العسكرية عن الصحفي المعروف بكر القاسم، بعد احتجازه دون تهمة لأسبوع في مدينة الباب، كما أفرجت الشرطة العسكرية عن الصحفي والناشط، كرم كِلية، أواخر أيلول/ سبتمبر، بعد اعتقاله في حزيران/ يونيو لمدة 3 أشهر. ويأتي اعتقال القاسم وكلية، ضمن نمط أوسع نطاقاً قوامه ممارسة الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بحق الصحفيين والناشطين في المناطق الواقعة تحت سيطرة تركيا. وأوردت وسائل إعلام محلية تقارير تفيد باستمرار اختفاء صحفيين وناشطين آخرين في شمال سوريا، بعضهم معتقل لشهور أو سنوات في السجون، من دون مراعاة الإجراءات القضائية الواجبة، أو من دون توجيه التهم إليهم بشكل رسمي. وتبرهن حالات الإخفاء القسري في مناطق السيطرة التركية على أن الظروف السائدة فيها لا تتيح للمدنيين التمتّع بأبسط حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
المناطق الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام:
تُعتبر هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، من المنظمات الإسلامية السياسية والعسكرية المستقلة اسمياَ، وتبسط سيطرتها على مناطق من محافظة إدلب، وتعمل على الساحة السياسية تحت اسم "حكومة الإنقاذ السورية". وغالباً ما يتعرض المدنيون في مناطق الهيئة للاعتقال التعسفي والتعذيب على أيدي عناصر قوات الأمن التابعة لها، إلى جانب معاناتهم جراء ما تشنّه الحكومة السورية وحلفاؤها من ضربات جوية، وقصف مدفعي، وهجمات بالمسيّرات.
هجمات القوات الروسية وقوات الحكومة السورية
على الرغم من إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار في 2020، استأنفت قوات الحكومة السورية وحلفاؤها منذ أواخر عام 2023، تنفيذ هجمات واعتداءات على الأهداف المدنية في الأراضي الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام والمناطق المحاذية لها مباشرة، ولا سيما جنوب إدلب، وبعض مناطق حماة وغرب حلب.
وعادة ما تُسفر تلك الهجمات عن وقوع إصابات بالأرواح، وتُلحق أضراراً مادية بالممتلكات من منازل ومواشٍ ومزارع ومركبات. وفي أيلول/ سبتمبر، أوقع قصف مدفعي حكومي على بإدلب 4 إصابات في صفوف المدنيين بينهم امرأة وطفل، كما تسبب قصف مدفعي شنّته قوات الحكومة على مدرسة في بجرح اثنين من المدنيين أحدهما طفل، وألحق القصف أضراراً جزئية بالمبنى المدرسي. وفي أواخر أيلول/ سبتمبر، استهدفت قوات الحكومة بنيران مدفعيتها مجدداً، الأحياء المدنية في مدينة سرمين، ما أدى إلى مقتل اثنين من المدنيين.
هجمات حزب الله على المدنيين
كان حزب الله الموالي للحكومة ضالعاً في هجمات رئيسية نُفذت بحق المدنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، بعد أن استهدف بنيران مدفعيته المتمركزة في غربي محافظة حلب كلاً من تفتناز وكفريا بمحافظة إدلب. كما أورد أعضاء فريق التوثيق في المركز السوري للعدالة والمساءلة ما يفيد بتسبب قصف حزب الله للموقعين بسقوط 5 قتلى بين المدنيين وجرح ما لا يقل عن 10 آخرين. كما سَمِع أعضاء الفريق عن بلاغات أخرى تفيد بأن حزب الله يتعمد قصف تلك المناطق بنيران مدفعيته انتقاماً من السوريين القاطنين في مناطق هيئة تحرير الشام، وذلك رداً على عدد من مقاطع الفيديو المتداولة التي يظهر فيها سوريون وهم " يحتفلون " بسلسلة الضربات الجوية التي استهدفت حزب الله في لبنان مطلع أيلول/ سبتمبر. ويُذكر أن الكثير من السوريين القاطنين في مناطق الهيئة هم نازحون فرّوا في فترات سابقة من الصراع الدائر جراء أعمال العنف التي ارتُكبت بحقهم على أيدي عناصر حزب الله وغيره من الجماعات المسلحة الموالية للحكومة.
الهجمات باستخدام المسيّرات
علاوة على ما جرت عليه عادة قوات الحكومة السورية من قصف مناطق هيئة تحرير الشام بنيران مدفعيتها وضرباتها الجوية، استمرت الهجمات بالمسيّرات على المنطقة في أيلول/ سبتمبر. وإلى جانب المسيّرات الروسية والإيرانية الصنع المستخدمة في مناطق شمال غرب سوريا، تستخدم قوات الحكومة السورية مسيّرات انقضاضية (انتحارية) بدائية ومحلية الصنع من طراز FPV (التي تبث صوراً مباشرة إلى مشغّلها) لقصف أهدافها هناك، الأمر الذي تسبب بوقوع إصابات في صفوف المدنيين، وألحق أضراراً مادية في الممتلكات. واستهدفت سلسلة من هجمات المسيرات قرية غربي حلب استمرت مدة 3 ساعات كاملة، بتاريخ 2 أيلول/ سبتمبر. واستلم أعضاء فريق التوثيق في المركز بلاغات تفيد بأن تلك المسيّرات أصابت مباني سكنية ومحالّ تجارية، وتسببت بإصابة 10 أشخاص بجروح بينهم أطفال. كما استهدفت قوات الحكومة بالمسيّرات خلال الشهر الحالي كلاً من و، وغيرهما من المناطق في غرب محافظة حلب، وجنوب محافظة إدلب، وتسبّبت بوقوع أضرار مادية. ولذا اقتضى التنبيه إلى ضرورة متابعة إصرار قوات الحكومة على استخدام المسيّرات في استهداف أعيان مدنية، نظراً لوفرة تلك المسيرات بكثرة وانخفاض تكلفتها، بحيث يسهُل على الحكومة أن تستمر في تهديد أرواح المدنيين وزعزعة استقرار المناطق التي تسعى جاهدة لإعادة بسط سيطرتها عليها.
الاحتجاجات ضد هيئة تحرير الشام
منذ شباط/ فبراير 2024، دأب المدنيون (ومعظمهم نازحون من مناطق أخرى داخل سوريا) على الاحتجاج في مناطق الهيئة ضد تصرفات عناصرها، ولا سيما ما يتعلق بانتشار ممارسات الاعتقال التعسفي والتعذيب في منشآت الحجز التابعة لها. وتشمل أهم المطالب تنحية الجولاني، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وإصلاح أجهزة الأمن التابعة للهيئة. واستمرت الاحتجاجات طيلة فصل الصيف، ولكنها شهدت تراجعاً طفيفاً في تموز/ يوليو، وآب/ أغسطس، برغم وقوع بعض الفعاليات الاحتجاجية الضخمة رداً على أحداث معيّنة. كما شهدت الاحتجاجات حصول اشتباكات متفرقة بين المحتجّين وقوات الأمن، كما حصل في مناسبتين خلال شهر أيلول/ سبتمبر.
وأُبلغ أعضاء فريق التوثيق في المركز عن عزم المشاركين في إحدى الفعاليات الاحتجاجية التوجّه إلى موقع إقامة معرض الكتاب السنوي في إدلب، ولكن تصدّت قوات الأمن لهذه المحاولة بعنف واعتقلت بعض المحتجّين. كما اعتدت قوات الأمن في واقعة أخرى على امرأة من المُشاركات في اعتصام أمام مبنى "ديوان المظالم"، الذي افتتحته الهيئة في مدينة إدلب مؤخراً، وهو ما أثار احتجاجات في عموم مناطق المحافظة، ولا سيما في كل من بنين وأريحا وأرمناز وكفر تخاريم.
الإصابات الناجمة عن الألغام والذخائر غير المنفجرة
أُبلغ أعضاء فريق التوثيق في المركز السوري للعدالة والمساءلة، في شهر أيلول/ سبتمبر، عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين جراء انفجار الألغام والذخائر غير المنفجرة في إدلب والمحافظات المجاورة. وانفجرت إحدى تلك الذخائر في قرية (بريف إدلب) وتسبّبت بمقتل رجل وابنه، وإصابة زوجته وابنته. ولا يُعتبر هذا النمط من الإصابات ظاهرة جديدة، إذ غالباً ما يوفّر الدفاع المدني السوري تحديثاً حول مستجدّات مواقع الذخائر غير المنفجرة والألغام التي قام بتفكيكها في شمال غرب سوريا، كما تركّز وسائل الإعلام المحلّية ومنظمات التوثيق في العادة على حالات مقتل أو إصابة مدنيين جراء الألغام أو الذخائر غير المنفجرة. ويعكف المركز السوري للعدالة والمساءلة حالياً، على إجراء المزيد من البحث والدراسة تحضيراً لفتح تحقيق في آثار الألغام والذخائر غير المنفجرة، على سلامة المدنيين في عموم مناطق سوريا.